باتت مصر واحدة من ثلاث دول وسيطة تبحث عن سبيل لاستئناف الملاحة في البحر الأسود، المتوقفة بسبب الضربات الروسية على الموانئ والسفن. واقترحت القاهرة، إلى جانب تركيا والهند، آلية تدخل بموجبها سفن ترفع أعلام الدول الوسيطة إلى الموانئ الأوكرانية والروسية على حد سواء، مع التزام الطرفين بعدم استهداف أي منها. وكشف ذلك فولوديمير زيلينسكي في مقابلة مع «بلومبرغ» في 18 أكتوبر/تشرين الأول، وفق ما نقل موقع NV.
وأوضح الرئيس الأوكراني: «سفينة تتجه إلى ميناء لدينا، وأخرى إلى ميناء روسي، ونتفق على عدم مهاجمة أي منهما». وأضاف أن روسيا تعارض الخطة، رغم مساعي الوسطاء للاتفاق على آليات تنفيذها.
كيف وصلت الأمور إلى هنا
توقفت صادرات الحبوب عبر الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود في أغسطس/آب بسبب الضربات الروسية. وفي 4 سبتمبر/أيلول، وبعد مباحثات حول الأمن الغذائي مع شركاء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خص زيلينسكي الرئيسَ المصري بالشكر على موقفه «البنّاء»، بحسب أوكرإنفورم.
وفي 23 سبتمبر/أيلول، وخلال قمة منصة القرم في نيويورك، سمّى زيلينسكي الوسطاء الثلاثة علناً للمرة الأولى قائلاً: «مصر والهند وتركيا قدمت لنا بالفعل خياراتها، وهي موجودة على الورق»، مضيفاً أن أوكرانيا توافق على مسار يمكن أن يحقق الأمن وتنتظر رد روسيا، بحسب أوكرإنفورم.
وبعد يومين، أوضح وزير الخارجية أندريه سيبيها في مقابلة مع الوكالة أن مصر وتركيا تبحثان عن صيغة لاستئناف الملاحة ولو جزئياً، فيما تعمل الهند على حزمة أوسع تشمل الأمن الغذائي والممرات البحرية وهدنة محتملة في مجال الطاقة. وقال لـأوكرإنفورم: «تنفيذ هذه الخطط بات متوقفاً فقط على استعداد روسيا. واتصالات الجانبين المصري والتركي مع الروس مستمرة».
وفي أواخر سبتمبر/أيلول، نوقشت المسألة في اجتماع مغلق على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة بمشاركة الولايات المتحدة والهند وتركيا ومصر ودول أوروبية. ووفقاً لـ«بلومبرغ»، تعد تركيا والأمم المتحدة لجولة محادثات جديدة تستلهم جزئياً نموذج مبادرة حبوب البحر الأسود لعام 2022، بحسب UkraNews. غير أن وزير السياسة الزراعية الأوكراني تاراس فيسوتسكي أعلن في 28 سبتمبر/أيلول أن روسيا رفضت جميع الخيارات المقترحة لهدنة بحرية محدودة.
لماذا يهم ذلك مصر
بالنسبة للقاهرة، المسألة مسألة خبز. فمصر من أكبر مستوردي القمح في العالم وأكبر مشترٍ للقمح الأوكراني، إذ اشترت في موسم 2025/2026 نحو 3.86 مليون طن، أي 27.6% من صادرات أوكرانيا من القمح، بحسب Latifundist. ووفق حسابات Qahwa.Media استناداً إلى بيانات الجمارك الأوكرانية، شحنت أوكرانيا إلى مصر 2.18 مليون طن من القمح بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2026 وحدها. وتقدّر وكالة أوكرإنفورم أن نحو ثلث الحبوب التي تحتاجها مصر يأتي من أوكرانيا.
والنقل البحري حاسم هنا، فنهر الدانوب والسكك الحديدية لا يعوضان الموانئ العميقة. وقدّر زيلينسكي في مقابلته مع «بلومبرغ» أن نحو 36 مليون طن من الحبوب يمكن شحنها عبر موانئ البحر الأسود خلال موسم تسويقي واحد، معترفاً: «لا يمكننا التعامل مع هذا الحجم عبر السكك الحديدية». وطلبت أوكرانيا من الاتحاد الأوروبي إعادة تفعيل «ممرات التضامن».
وتشكل الوساطة لمصر أيضاً وسيلة لتأكيد دورها كقوة إقليمية تتحاور معها كييف وموسكو على حد سواء. أما إن كان هذا الدور سيصبح حاسماً، فذلك رهن بموافقة روسيا التي لم تأتِ بعد.











