ما يجمع أوكرانيا ودول الخليج ليس عدواً مشتركاً، بل هشاشة مشتركة أمام الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تضرب الموانئ والسفن والبنية التحتية المدنية. هذا ما طرحه الدكتور يوسف البلوشي، رئيس مجلس مسقط للسياسات في سلطنة عُمان، خلال المؤتمر الدولي الرابع «Crimea Global. Understanding Ukraine through the South» الذي عُقد في كييف في 19 أكتوبر/تشرين الأول.
ويرى البلوشي في الشراكة تبادلاً للأدوار: أوكرانيا تقدم خبرتها الدفاعية، ودول الخليج تقدم الوساطة. أما مدى الترابط بين المنطقتين، فقد كشفه في المؤتمر نفسه نائب وزير الخارجية الأوكراني يفغين بيريبيينيس، إذ تضاعفت الهجمات على السفن في البحر الأسود هذا العام، وباتت مهددةً إمدادات الحبوب التي يعتمد عليها نحو 400 مليون إنسان حول العالم.
«ليس عدواً مشتركاً، بل هشاشة مشتركة»

شارك البلوشي في النقاش عبر الإنترنت، موضحاً أن الوضع الأمني حال دون حضوره إلى كييف. وطلبت منه مديرة الجلسة حنّا شيليست أن يتحدث لا باسم عُمان وحدها، بل باسم دول الخليج عموماً، وسألته عن الدروس التي استخلصتها المنطقة منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران هذا العام، وعما إذا كان اتفاق الطائرات المسيّرة كافياً للتعاون مع أوكرانيا.
فأجاب البلوشي بأن الشراكة والتعاون لا يستلزمان بالضرورة وجود عدو مشترك. وهو لا يرى في اتفاق المسيّرات خطوة عابرة، بل يتوقع أن يستمر التعاون، لأن أوكرانيا تملك اليوم خبرة دفاعية تستحق الاستفادة منها ومن العقلية التي تقف وراءها.
في المقابل، يستطيع الشرق الأوسط أن يقدم الوساطة. وذكّر البلوشي بأن السعودية والإمارات وقطر ساعدت بالفعل في تبادل أسرى الحرب والرهائن وفي إعادة الأطفال. وقال إن أوكرانيا قادرة على تقديم خبرتها في مجالي الدفاع والأمن، فيما تستطيع دول المنطقة أن تقدم خدمات الوساطة، وفي ذلك يمكن أن تكمن الشراكة بين الطرفين.
وأضاف أن ما يجمع الطرفين ليس عدواً مشتركاً بل هشاشة مشتركة، لأن المسيّرات والصواريخ قد تُستخدم ضد المدنيين والبنية التحتية والموانئ والسفن.
من البحر الأسود إلى هرمز
وتحدث البلوشي أيضاً عن الأمن البحري، قائلاً إن النزاعات الحالية ترفع أسعار الوقود، ومعها أسعار الغذاء. وأشاد بنجاح أوكرانيا في حماية موانئها، مستشهداً بالتعاون مع إسطنبول مثالاً على أن الاتفاق ممكن حتى بين دول لا يثق بعضها ببعض. أما في ما يخص مضيق هرمز، فرأى أن من الضروري استخلاص العبر من الوضع الراهن والبحث عن آلية للحل لا وجود لها حتى الآن.
وكان بيريبيينيس قد عرض أرقام البحر الأسود صباح اليوم نفسه، إذ قال في افتتاح المؤتمر: «إن أمن أوروبا ومنطقة البحر الأسود والشرق الأوسط وشمال أفريقيا مترابط بشكل وثيق». وأوضح أنه عندما حاصرت روسيا الموانئ البحرية الأوكرانية لأول مرة عام 2022، ارتفعت أسعار الغذاء العالمية فوراً بنسبة 25%، وكانت دول أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط الأكثر تضرراً.
واليوم يواجه أمن الملاحة في البحر الأسود مجدداً تهديداً خطيراً. ووفقاً للأرقام التي أوردها بيريبيينيس:
- تضررت أو دُمّرت جزئياً أكثر من 1000 منشأة من البنية التحتية للموانئ الأوكرانية وأكثر من 260 سفينة مدنية؛
- سُجّل 25 هجوماً على السفن طوال عام 2025، في حين تجاوز عددها 90 هجوماً بين يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول 2026 وحدها؛
- قبل الحرب الشاملة، كان نحو 90% من الصادرات الزراعية الأوكرانية يمر عبر موانئ البحر الأسود؛
- وتشير التقديرات إلى أن 11 مليون طن من الحبوب قد لا تصل إلى أسواق التصدير في الوقت المناسب.
وشدد بيريبيينيس على أن ذلك يخلق مخاطر إضافية على أسواق الغذاء، «ولا سيما في دول أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط». وذكّر بمبادرة «الغذاء من أوكرانيا» (Food from Ukraine)، التي جرى في إطارها منذ عام 2022 شراء أكثر من 340 ألف طن من المواد الغذائية، معظمها لدول أفريقية، ودعا الشركاء إلى العمل معاً لحماية الملاحة المدنية والبنية التحتية للموانئ.
ثلاثة مقترحات من مسقط
حدد البلوشي ثلاث خطوات يرى أنها كفيلة بإعطاء الشراكة مضموناً فعلياً.
الأولى: تبادل الخبرات بين أوكرانيا ودول الخليج في مجالي الحماية والدفاع.
الثانية: آليات عمل لا مجرد اتفاقيات. فالمقصود، كما أوضح، ليس عقد لقاءات دورية بين أشخاص بعينهم، بل إنشاء آليات للتعاون الاقتصادي والأمني بين المنطقتين تساعد على تجاوز مواطن الهشاشة المشتركة.
الثالثة: حوار دائم بين أوكرانيا ودول الخليج لتبادل الأفكار والمقترحات، على ألا يجري هذا الحوار بمعزل عن التعاون مع دول العالم الأخرى.
إيران وروسيا و«نقطة الدخول»
وأثارت شيليست عاملاً نادراً ما يُطرح علناً: روسيا تتقاسم تقنيات الأسلحة مع إيران، وأوكرانيا تعرف كيف تقاتل روسيا. فهل يشكل ذلك حافزاً إضافياً لدول الخليج للعمل مع أوكرانيا؟
وافق البلوشي على أنه عامل مهم، لكنه حذّر من التصعيد العسكري، مؤكداً أن الهدف الأساسي لدول المنطقة هو حماية بلدانها. وقال إن تجارب الآخرين ينبغي تحليلها وتكييفها مع السياق المحلي، مشيراً إلى زيارات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دول الخليج بعد التصعيد المتعلق بإيران.
وفي وقت لاحق، سألت شيليست كيف يمكن لأوكرانيا أن تفكك صورة روسيا بوصفها قوة مناهضة للاستعمار، وهي صورة لا تزال تحظى بثقل في الشرق الأوسط. فذكّر البلوشي بأن روسيا لم تحظَ دائماً بنظرة إيجابية في المنطقة، وأن المسألة لا تتعلق بالاستعمار وحده، بل بالشيوعية أيضاً. وأضاف أن المنطقة نفسها تعاني اليوم من تدخلات القوى الكبرى، ولذلك فإن الحالة الأوكرانية مفهومة فيها، إذ تواجه دولها تهديدات مماثلة.
ووصف البلوشي اتفاق المسيّرات بأنه «نقطة دخول» لتغيير الانطباعات تدريجياً. وقال إنه حتى في الدول التي ربطتها بروسيا شراكة اقتصادية أو في مجال الطاقة، يتغير السياق بسبب النزاع مع إيران، مضيفاً أن كثيراً من دول الخليج ترى أن روسيا تدعم إيران، وهذا عامل يصب في مصلحة أوكرانيا.
في المقابل، أشار البلوشي إلى عامل قال إنه قد لا يكون في صالح أوكرانيا، وهو موقفها من إسرائيل وكيفية النظر إليه في المنطقة، معتبراً أن دعم أوكرانيا لإسرائيل يمثل نقطة صعبة في هذا السياق.
خلفية
بدأت الحرب في 28 فبراير/شباط 2026 بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران، وردّت إيران بهجمات طالت دول الخليج أيضاً، بما في ذلك بالطائرات المسيّرة، بحسب وكالة فرانس برس وموقع The New Arab.
وقبل الحرب كان خُمس النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز. وبحلول مطلع سبتمبر/أيلول، وبحسب رويترز، كانت إيران قد أوقفت الملاحة في المضيق بشكل شبه كامل، وتجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ يوليو/تموز، وفق ما نشره موقع gCaptain.
وبلغ مؤشر منظمة الأغذية والزراعة (فاو) لأسعار الغذاء 136 نقطة في سبتمبر/أيلول 2026، بارتفاع 5.8% مقارنة بالعام السابق. وربط كبير الاقتصاديين في المنظمة ماكسيمو توريرو هذا الارتفاع باضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأسود، إضافة إلى الصدمات المناخية، بحسب موقع MercoPress.
وفي أواخر مارس/آذار 2026 زار الرئيس فولوديمير زيلينسكي السعودية وقطر والإمارات. ووقعت أوكرانيا مع السعودية اتفاقاً للدفاع الجوي، ومع قطر اتفاقاً دفاعياً لمواجهة تهديدات الصواريخ والمسيّرات، ومدة كل منهما 10 سنوات بحسب زيلينسكي. كما اتفقت أوكرانيا والإمارات على التعاون في مجالي الأمن والدفاع. وأرسلت أوكرانيا خبراء في مكافحة المسيّرات إلى الدول الثلاث، وفق موقع The New Arab.
عن المؤتمر
عُقد المؤتمر الدولي الرابع «Crimea Global. Understanding Ukraine through the South» في كييف في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تحت شعار «Navigating a World of Great Powers». ونظمته بعثة رئيس أوكرانيا في جمهورية القرم ذاتية الحكم/مكتب منصة القرم، ومركز حقوق الإنسان «زمينا»، ومبادرة الإعلام من أجل حقوق الإنسان، بالشراكة مع وزارة الخارجية الأوكرانية والمعهد الأوكراني ومركز الحوار عبر الأطلسي.
وأدارت جلسة «الخبرة على طريقة كييف: أوكرانيا مصدراً للخبرة في مجالي الأمن والصمود» الدكتورة حنّا شيليست، مديرة برنامج الدراسات الأمنية في مجلس السياسة الخارجية «Ukrainian Prism». وشارك يوسف البلوشي عبر الإنترنت، وتُنقل تصريحاته عن الترجمة الفورية الأوكرانية التي بُثت خلال المؤتمر. أما يفغين بيريبيينيس فتحدث بالأوكرانية، وتولت Qahwa.Media ترجمة اقتباساته. التسجيل الكامل متاح على يوتيوب.
اقرأ أيضاً: الخليج وأفريقيا و46 ألف أجنبي: ما الذي ينبغي أن يعرفه الشرق الأوسط عن التجنيد الروسي











