يستهدف المجندون الروس عمالاً مهاجرين سبق لهم العمل في دول الخليج. هذا ما كشفه الصحفي الكيني بول كينغوري وانغيتشي، مستشهداً بتجربة بلاده، خلال المؤتمر الدولي الرابع «Crimea Global. Understanding Ukraine through the South» الذي عُقد في كييف في 19 أكتوبر/تشرين الأول.
وفي الجلسة نفسها، كشف مقر التنسيق الأوكراني لشؤون معاملة أسرى الحرب عن أرقام جديدة حول تجنيد روسيا للأجانب، إذ أبرمت موسكو عقوداً عسكرية مع نحو 46 ألف أجنبي من 151 دولة. ويركز المجندون بشكل متزايد على أفريقيا، فيما تستضيف موسكو قمة روسية أفريقية يومي 28 و29 أكتوبر/تشرين الأول.
كينيا: المجندون يلاحقون من عملوا في الخليج
وصف وانغيتشي، وهو منتج ومقدم برامج في موقع «توكو» الكيني، ثلاث فئات يستهدفها المجندون.
الفئة الأولى هم من عملوا سابقاً في دول الخليج، فهم يحملون جوازات سفر ولديهم خبرة في العمل بالخارج ومنفتحون على مثل هذه العروض، بحسب قوله. ويعرض عليهم المجندون وظائف مألوفة لديهم، كحراس أمن وطهاة وعمال منازل وسائقين، ولكن بأجور أعلى.
أما الفئة الثانية فهم موظفو شركات الحراسة الخاصة، ومن بينهم، كما يقول وانغيتشي، أشخاص يعانون من صدمات نفسية ويدركون أنهم لن يعودوا. والفئة الثالثة هم من خابت آمالهم في وعود الحكومة بتوفير فرص العمل.
وأوضح وانغيتشي أن المجندين يتسلمون في روسيا عقوداً باللغة الروسية التي لا يفهمونها. ويُفتح حساب مصرفي مشترك باسم المجند ووكيل روسي، ويُودع فيه نحو 7 آلاف دولار. وما إن يُرسل الرجل إلى الجبهة حتى يأخذ الوكيل نصف المبلغ ويحول النصف الآخر إلى وكيل في كينيا.
وقال وانغيتشي إن حياة المقاتل الكيني تساوي في الواقع 7 آلاف دولار، وإن هذه الحرب تجمع بين العمليات العسكرية والاتجار بالبشر.
وبحسب الصحفي، أبلغت الحكومة الكينية البرلمان بـ352 حالة مؤكدة، في حين يتحدث صحفيون وعائلات عن 841 كينياً بين مفقود وقتيل وجريح. وأضاف أن معظم من يقاتلون حالياً إلى جانب روسيا كانوا سيعودون فوراً لو توفر لهم المال والوثائق.
وبعد التقارير الصحفية واحتجاجات العائلات والنقاش في البرلمان، تراجع تجنيد الكينيين بنحو 80% وفق تقديره. ويرى أن القصص الإنسانية هي الأكثر تأثيراً، كقصة أم لم تعد قادرة على التواصل مع ابنها. ورسالته إلى الكينيين واضحة: لا تذهبوا إلى روسيا.
ومع ذلك، هناك من يذهب طوعاً. وقال وانغيتشي إن من تحدث إليهم من هؤلاء وصفوا الأمر بأنه تذكرة ذهاب بلا عودة.
قرابة 18 ألفاً إضافيين خلال عام

في مؤتمر العام الماضي، تحدث مقر التنسيق عن 28 ألف أجنبي من 138 دولة. أما اليوم فيبلغ العدد نحو 46 ألفاً من 151 دولة من أصل 193 دولة عضواً في الأمم المتحدة، وفقاً لأمين المقر العميد دميترو أوسوف.
وقال أوسوف: «لدينا اليوم رقم يقارب 46 ألف أجنبي وقعوا عقوداً مع وزارة الدفاع الروسية، وهم ينتمون بالفعل إلى 151 دولة».
وأضاف أن المقر يملك بيانات شخصية كاملة عن كل واحد منهم، تشمل المنصب والرتبة ولوحة الهوية العسكرية والعقد وتاريخ التوقيع، فيما لا يزال يجري تحديد سنة التوقيع لـ668 شخصاً آخرين. والبيانات محدثة حتى 1 أو 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
في عام 2022 لم يسجل المقر سوى 94 عقداً، ثم ارتفع العدد عاماً بعد عام. وتخطط وزارة الدفاع الروسية لتجنيد 18,500 أجنبي في عام 2026، وقد وقعت بالفعل 16,168 عقداً، بحسب أوسوف، الذي توقع أن تحقق روسيا هدفها أو تتجاوزه إذا استمرت الوتيرة الحالية.
وأشار إلى أن التجنيد تقلص في بعض الدول وتوقف كلياً في دول أخرى، عازياً ذلك إلى جهود وزارة الخارجية الأوكرانية والجهات المعنية بالأسرى والتفاهمات مع الحكومات. ووعد المقر بنشر الأرقام المحدثة على موقعه.
وقال أوسوف إنه عندما تتفق حكومة ما مع موسكو على وقف التجنيد، تظهر إشارة مختلفة في ساحة المعركة، إذ لا يُعفى مواطنوها من عقودهم، بل يُزج بهم في الهجمات «حتى تقل الأسئلة لاحقاً».
ويُحتجز في أوكرانيا أسرى حرب من مواطني 59 دولة، أغلبهم من أوزبكستان وطاجيكستان وبيلاروس وكولومبيا وكازاخستان وأذربيجان وقرغيزستان.
ماذا يقول الأسرى أنفسهم
أجرى مقر التنسيق استطلاعاً بين الأسرى الأجانب، وعرض أوسوف نتائجه للمرة الأولى خلال المؤتمر.
نحو 49% منهم كانوا يعلمون أنهم ذاهبون للقتال في أوكرانيا. وقال أوسوف: «أغلب من هم في الأسر لدينا، ومن وقعوا العقود، كانوا يعرفون إلى أين هم ذاهبون». ولم يكن نحو 15% متأكدين، ولم يُبلَّغ بعضهم أصلاً بوجهتهم.
ووقع نحو 47% العقود للحصول على الجنسية الروسية، التي لا يمكن الحصول عليها في روسيا من دون عقد مع وزارة الدفاع، بحسب أوسوف. ووقع 48.8% في الأسر وهم جرحى، لا عن استسلام طوعي.
وقال أوسوف: «ما فاجأني هو الرقم: نحو 79% يريدون العودة إلى روسيا. إنهم لا يريدون العودة إلى بلدانهم». ويبرر الأسرى ذلك برغبتهم في المطالبة بالأموال والامتيازات الموعودة. ووقع 41% عقودهم عبر مكاتب التجنيد العسكري ونقاط التطويع، وهو ما عده أوسوف دليلاً على عمل ممنهج تقوم به وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية الروسية.
وأوضح أوسوف أن روسيا تجند الأجانب بسبب خسائرها الكبيرة، فهي بذلك تخفف الأعباء الاجتماعية والمالية في الداخل وتتجنب التعامل مع عائلات القتلى والأسرى.
تجنيد روسيا للأجانب: التركيز على أفريقيا وأمريكا اللاتينية
قال أوسوف إن المجندين الروس ركزوا في عام 2026 على أفريقيا وأمريكا اللاتينية. ووفقاً لبيانات المقر، ارتفعت حصة أفريقيا من 1% في عام 2023 إلى 16.5%، وحصة أمريكا اللاتينية من 2.5% إلى 15%.
وأضاف أن المجندين يستغلون «الفقر وضعف سياسات الدولة وقلة المعلومات عن الحرب»، ودعا الدول المعنية إلى الحديث عن الحرب وعن مواطنيها الذين يُقتلون على الأراضي الأوكرانية. وأكد أن أوكرانيا منفتحة على الصحفيين من أي بلد، وتتيح لهم زيارة المعسكرات التي يُحتجز فيها الأسرى الأجانب.
وأشارت مديرة الجلسة ماريا توماك إلى أن التجنيد في أفريقيا يطال دولاً كثيرة، منها الكاميرون وبوتسوانا وزيمبابوي، مضيفة أنها لا تتحدث هنا حتى عن شمال القارة.
الخارجية الأوكرانية: «صناعة قائمة بذاتها»
وصفت ليوبوف أبرافيتوفا، مديرة الإدارة العامة لشؤون أفريقيا والمنظمات الأفريقية الإقليمية في وزارة الخارجية الأوكرانية، التجنيد بأنه ظاهرة عالمية تمارسها موسكو بنشاط في أفريقيا. وقالت إن روسيا تستغل الفقر وهشاشة أوضاع الناس، وتتجنب بذلك تعبئة إضافية في الداخل.
وأضافت أن العدد الإجمالي للأجانب في الجيش الروسي بات يفوق تعداد جيوش كثير من الدول الأوروبية. أما المجندون أنفسهم فيُقال لهم إنهم ذاهبون لقتال الغرب وأوروبا، لا الأوكرانيين. كما أشارت إلى منطقة ألابوغا في تتارستان، حيث تُستقطب شابات للعمل في إنتاج الطائرات المسيرة.
وبحسب أبرافيتوفا، أصبح التجنيد تجارياً ومجزأً، وتحول إلى صناعة قائمة بذاتها تعمل فيها بعض الشركات بنظام الامتياز التجاري. وأحصت 289 منصة وقناة تنتج محتواها بالذكاء الاصطناعي، وكلما أُغلقت إحداها ظهرت أخرى.
وقالت إن المفاوضات مع الحكومات لا توقف المجندين على الأرض، لا سيما أن الرقابة على الحدود في أفريقيا ضعيفة، ففي جنوب أفريقيا مثلاً يُجند مهاجرون من زيمبابوي. كما تحظر دول أفريقية كثيرة القتال لصالح دولة أجنبية، ما يعرض العائدين لخطر السجن.
ولأوكرانيا سفارات في 18 دولة فقط من أصل 54 دولة أفريقية، لذا تعتمد الوزارة على وسائل الإعلام والمجتمع المدني والأصوات الموثوقة، ومن ذلك طلبها من منظمة كاريتاس نشر المعلومات عبر الكنائس. وقالت إن أوكرانيا تنتظر دوراً أكثر فاعلية من الاتحاد الأفريقي.
وفي ختام النقاش، ذكّرت أبرافيتوفا بالقمة الروسية الأفريقية يومي 28 و29 أكتوبر/تشرين الأول، مشيرة إلى أن مثل هذه المنتديات كثيراً ما تشهد توقيع اتفاقيات إطارية، وأن كينيا تعتزم توقيع اتفاقية عمل مع روسيا. وقالت للمشاركين إن هذه ليست مسؤولية الدبلوماسيين وحدهم، بل مسؤوليتهم أيضاً.
سريلانكا وكوبا: الأرقام الفعلية قد تكون أعلى
وفقاً لمقر التنسيق، جندت روسيا 283 إندونيسياً و750 سريلانكياً. غير أن الصحفي الاستقصائي السريلانكي ساروج باثيرانا، الزميل في مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)، يقدر عدد مواطنيه بما بين ألفين وثلاثة آلاف، موضحاً أن المجندين يحصلون على الجنسية الروسية فيسقطون من الإحصاءات. أما إريك دي لا فوينتي، الأستاذ في جامعة فلوريدا الدولية، فقدّر عدد الكوبيين في الجيش الروسي بنحو 20 ألفاً.
أين يمكن العثور على المعلومات، بما في ذلك بالعربية
قال أوسوف إن مقر التنسيق يمثل مديرية الاستخبارات الرئيسية في وزارة الدفاع الأوكرانية، وإن أرقامه مستقاة من معلومات استخباراتية أو من مصادر مفتوحة يجري التحقق منها. وأضاف أن بيانات نشرها المقر سابقاً أكدتها لاحقاً الدول المعنية.
وعدد أوسوف ثلاثة مشاريع تستخدمها أوكرانيا للتواصل مع الأجانب وعائلاتهم. فمشروع «أريد أن أعيش» سجل أكثر من مئة مقطع فيديو مع أسرى أجانب، وتساعد روبوتات الدردشة «أريد أن أجد» الأقارب في دول كثيرة على البحث عمن سافروا إلى روسيا، أما موقع StopRussianRecruiters.org، وهو مشروع مشترك بين المقر ووزارة الخارجية، فيشرح أساليب التجنيد. وقال أوسوف إن هذه الموارد متاحة بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية والعربية.
كما حذر من مخاطر تواجهها الدول التي يعود إليها المجندون، إذ يمر جميع الأجانب المتعاقدين، بحسب قوله، عبر الاستخبارات العسكرية الروسية أو جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. وقال: «إن عودة كل مواطن من هؤلاء تنطوي على مخاطر معينة، فربما يتعاون هؤلاء المواطنون مع هذه الأجهزة على أراضي تلك الدول».
خلفية
أعدت Qahwa.Media هذه الخلفية استناداً إلى تقارير سابقة.
في أبريل/نيسان 2026، وخلال عرض تقرير عن المقاتلين الأجانب في الجيش الروسي، قال أوسوف إن التجنيد تراجع بشكل ملحوظ في دول من بينها مصر وسوريا، وفق ما نقل موقع LIGA.net. وأشار حينها إلى أن أجانب يعملون في مصانع الدفاع الروسية، أغلبهم من الهند ونيبال ومصر.
وأطلق مقر التنسيق ووزارة الخارجية الأوكرانية موقع StopRussianRecruiters.org في 25 مايو/أيار 2026. وكان المشروع يتحدث حينها عن أكثر من 28 ألف أجنبي متعاقد و5,149 قتيلاً على الأقل، بحسب صحيفة كييف بوست.
ومن المقرر أن تُعقد القمة الروسية الأفريقية الثالثة يومي 28 و29 أكتوبر/تشرين الأول في موسكو. وبحسب موقع «أفريكا إنتليجنس» الفرنسي، الذي نقلت عنه الجزيرة نت، أكد 17 زعيماً أفريقياً حضورهم. كما نقلت الجزيرة عن موقع «روسيا-أفريقيا مونيتور» أن تجنيد الأفارقة للقتال في هذه الحرب يثير استياءً متنامياً مع تزايد أعداد القتلى والجرحى والمفقودين.
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد ترأس القمة الأولى في سوتشي عام 2019 بالمشاركة مع بوتين، بحسب موقع الرئاسة المصرية.
عن المؤتمر
عُقد المؤتمر الدولي الرابع «Crimea Global. Understanding Ukraine through the South» في كييف في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تحت شعار «Navigating a World of Great Powers». ونظمته بعثة رئيس أوكرانيا في جمهورية القرم ذاتية الحكم/مكتب منصة القرم، ومركز حقوق الإنسان «زمينا»، ومبادرة الإعلام من أجل حقوق الإنسان، بالشراكة مع وزارة الخارجية الأوكرانية والمعهد الأوكراني ومركز الحوار عبر الأطلسي.
وأدارت جلسة «مواجهة المفترس: كيف نوقف تجنيد روسيا للأجانب» ماريا توماك، الباحثة المشاركة في منظمة Truth Hounds والمشاركة في تنظيم المؤتمر.
الأرقام الواردة هي أرقام مقر التنسيق كما عُرضت في المؤتمر. وتُنقل تصريحات المتحدثين عن البث المباشر للمؤتمر، فيما تولت Qahwa.Media ترجمة اقتباسات المشاركين الناطقين بالأوكرانية. التسجيل الكامل متاح على يوتيوب.











